هل تحلّ الروبوتات محلّ الصحافي في الميدان؟

يبدو أن الذكاء الاصطناعي يزحف إلى كل زاوية من زوايا حياتنا، انه حاضر في الطب والتعليم والهندسة والصناعة والتجارة و الخدمات.. ومن بين هذه الزوايا الصحافة.
نعم، انه يندس الى تلك المهنة التي كانت تعتمد على القلم والورقة، وربما كأس قهوة بارد بعد ساعات من المشي في الشوارع بحثًا عن الحقيقة.
و الآن، يدعي البعض أن الروبوتات قد تعوض الصحفيين، لكن دعونا نضحك قليلًا على هذه الفكرة.
تصوّر معي: روبوت بربطة عنق أنيقة وجهاز تسجيل في اليد، يدخل إلى مقهى شعبي مزدحم ويقول بصوت معدني: “مرحبا، أريد أن أسمع مشاعركم عن ارتفاع أسعار الطماطم.”

خبير الذكاء الاصطناعي وأستاذ باحث
في المعهد العالي للإعلام والاتصال
لحظة! كيف يتحدث الروبوت عن “مشاعر” وهو لا يمتلك حتى قلبًا؟ بل دعونا نكن واقعيين، لو حاول الروبوت أن يأخذ تصريحًا من بائع متجول، سينتهي به الأمر بخلع يده المعدنية ليعطيها للبائع كرهينة للحصول على الإجابة.
ان الصحافة ليست مجرد تجميع معلومات وترتيب كلمات. إنها رحلة مليئة بالضحكات، و الحكايات، وأحيانًا الدموع. عندما ينزل الصحفي إلى الميدان، فانه يشعر بالبرد الذي يرتجف له الفلاح المرابط في عز الشتاء، ويشمّ رائحة خبز الصباح في الحارات الضيقة.
الروبوت، مهما كان ذكيًا، لا يمكنه أن يشعر بأي من هذا. هل يستطيع الروبوت أن يقدّر حرارة كأس شاي يقدّمه لك ضيف كريم في قرية نائية؟ بالطبع لا. قد ينتهي به الأمر بتصنيفه ب “بيانات غير قابلة للمعالجة.”
لنكن صادقين، الذكاء الاصطناعي هو أداة قوية جدًا. يمكنه تحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، والتحقق من صحة المعلومات، وحتى اقتراح عناوين جذابة. ولكنه يبقى مساعدًا، لا بديلًا.
إذا كنت صحفيًا تعمل على قصة عن الفقر في الأحياء المهمشة، قد يساعدك الذكاء الاصطناعي في فهم إحصائيات الفقر، لكن من المستحيل أن يمنحك الإحساس بالحرمان الذي يعيشه سكان هذه الأحياء. كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكتب لك نصًا سلسًا، لكنه لن يتمكن من إضافة تلك اللمسة الإنسانية التي تبرز جمال القصة.
الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعدك في الكتابة و توليد الأفكار و النصوص. ان الكتابة الآلية شيء رائع، لكنها تفتقر إلى الروح.
يمكنك أن تطلب من روبوت كتابة مقال عن “الرومانسية في عصر الذكاءالاصطناعي”،وسيعطيك نصًا مليئًا بالمصطلحات الذكية، لكنه خالٍ من أي إحساس حقيقي. قد يقول شيئًا مثل: “الحب هو نظام معقد من ردود الفعل الكيميائية والبصرية.” ولكن هل يستطيع وصف إحساس الحب القائم على ارتعاش القلب و تكهرب الحواس و تصاهر الذوات و تواشج الروح مع الروح؟انه عاجز عن ذلك.
لا يستطيع.. بدلًا من أن نخشى من أن الذكاء الاصطناعي سيسرق منا الصحافة، لماذا لا نتعامل معه كشريك ذكي؟ هو أشبه بزميل كسول يجيد استخدام الحاسوب لكنه لا يجرؤ على النزول إلى الميدان.
سوف نترك له مهمة التأكد من الحقائق ومعالجة البيانات، بينما نبقى نحن نروي القصص الحقيقية التي تجعل القراء يضحكون، ويبكون، أو يتساءلون.
لنختصر المسألة: الصحافة ليست مجرد كتابة أو تحليل بيانات. إنها حياة تعاش، وأحداث تُرى، وقصص تُحكى بروح إنسانية. لذلك، مهما كان الذكاء الاصطناعي متقدمًا، سيبقى مجرد أداة بين يدي الانسان. أما الروح الحقيقية للصحافة، فهي في أقدام الصحفي التي تطأ الأرض، وعيونه التي ترى، وأذنيه اللتين تسمعان، وقلبه الذي يشعر.
ربما، إذا كنا محظوظين، يمكننا أن نستعين بالذكاء الاصطناعي لانتعال أحذيتنا قبل أن ننطلق للميدان. أما البقية، فستبقى مهمة البشر الذين لن تستبدلهم الروبوتات مهما كانت متطورة.