
اطلعت اليوم على تدوينة حديثة للصحفي إدريس الكنبوري، عبّر فيها عن رؤيته النقدية لمدونة الأسرة المغربية، معتبرًا أنها تمثل تهديدًا لبنية المجتمع من زوايا متعددة، تشمل الجوانب الدينية، الاجتماعية، والنفسية. واستشهد بحادثة شخصية لسيدة عبّرت عن قلقها من البقاء دون زواج بسبب المدونة، ليبني على ذلك رؤيته لآثارها السلبية الواسعة على المجتمع المغربي. بقدر ما تبدو هذه الرؤية نابعة من مخاوف مشروعة، فإنها تغفل جوانب عدة وتعتمد على تعميمات تفتقر إلى الدقة والتحليل العلمي.

بداية، القول بأن المدونة تقف عائقًا أمام الزواج يفتقر إلى المصداقية، إذ إن تأخر الزواج في المغرب يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية أعمق. ارتفاع تكاليف المعيشة، البطالة، وتغير أولويات الشباب هي العوامل الحقيقية التي تؤخر الزواج، وليس المدونة التي تهدف إلى تنظيم العلاقات الزوجية وضمان حقوق الطرفين. زواج مبني على العدالة والمساواة يحظى بفرصة أكبر لتحقيق الاستقرار والاستدامة مقارنة بزواج يفتقر إلى هذه الضمانات.
أما من الناحية الدينية، فإن اتهام المدونة بأنها “خلخلة لمجتمع مسلم” يتجاهل أنها تنبثق من روح الشريعة الإسلامية وتستند إلى الاجتهاد الفقهي الذي يمثل جزءًا أصيلًا من التراث الإسلامي. المادة الرابعة من المدونة، التي تعرف الزواج كميثاق شرعي بين رجل وامرأة، دليل واضح على التزام المدونة بمقاصد الإسلام. الاجتهاد ليس بدعة، بل ضرورة استجابية لتغير الظروف الاجتماعية بما يحقق المصلحة العامة، وهو ما تفعله المدونة بتوازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات العصر.
وفيما يتعلق بادعاء أن المدونة تهدم الأسر، فإن هذا الادعاء يتطلب تحليلًا أعمق للنسب التي استند إليها الكاتب. الطلاق، على سبيل المثال، ليس نتيجة مباشرة لتشريعات المدونة، بل هو انعكاس لتغيرات اجتماعية واقتصادية أعمق، مثل زيادة الوعي بالحقوق الفردية. على العكس، المدونة تحمي الأسرة من خلال توفير إطار قانوني عادل يحفظ حقوق النساء والأطفال، ويقلل من النزاعات العشوائية التي كانت تترك الأسر عرضة للتفكك. المشكلات الحقيقية التي تهدد الأسرة المغربية تكمن في الفقر، البطالة، والضغوط الاقتصادية، وليس في القوانين.
أما القول بأن المدونة تعمم الاكتئاب والعزلة والانتحار فهو رأي يفتقر إلى أدلة علمية. القوانين التي تضمن العدالة الاجتماعية تسهم في تحسين الصحة النفسية للأفراد، إذ إن المرأة التي كانت محرومة من حقوقها الأساسية أصبحت الآن أكثر أمانًا بفضل المدونة. تعزيز المساواة والعدل يساهم في تحقيق الاستقرار النفسي، وليس العكس.
كما أن الادعاء بأن المدونة تشغل المواطن بحياته الخاصة وتصرفه عن الشأن العام يبدو مناقضًا للواقع. لا يمكن تصور مواطن قادر على المشاركة الفاعلة في القضايا الوطنية دون أن يتمتع بحقوقه داخل أسرته. ضمان حقوق الأفراد داخل إطار الأسرة هو شرط أساسي لبناء مجتمع قوي ومتماسك.
أخيرًا، فيما يخص الحريات الفردية، فإن وصفها بتهديد للمجتمع يتجاهل أنها مطلب ينبع من تغيرات اجتماعية وثقافية داخلية، وليست مؤامرة خارجية. الحريات الفردية، عندما تُصاغ في إطار قانوني يحترم القيم المجتمعية، تساهم في تعزيز الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. التوفيق بين الحريات الفردية والقيم الدينية ليس مستحيلًا، بل هو تحدٍّ يمكن تجاوزه عبر الحوار المجتمعي الصادق والمفتوح.
في الختام، رؤية إدريس الكنبوري تنطلق من مخاوف قد تكون مفهومة لدى البعض، لكنها تبالغ في تصوير المدونة كتهديد وجودي للمجتمع. المدونة ليست معصومة، لكنها تمثل خطوة إصلاحية ضرورية لضمان حقوق الأسرة المغربية. بدلًا من التركيز على قصص فردية أو التهويل من تأثيرات التعديلات، يجب أن يرتكز النقاش على معطيات علمية وتحليل واقعي. الإصلاح ليس تهديدًا لقيمنا، بل فرصة لتطويرها بما ينسجم مع متطلبات العصر ويحمي مصالح الجميع.