
قال المحامي زهير أصدور وهو يرد على مقال للمحامية الأستاذة سليمة فراجي بخصوص قرار إحالة النائبة البرلمانية ريم شباط على لجنة الأخلاقيات، أن” البرلمان ليس مجرد فضاء لتبادل المجاملات، بل هو ساحة للمحاسبة السياسية، حتى لو كان ذلك بأسلوب حاد أحيانًا”.
و كتب المحامي والفاعل السياسي زهير أصدور في الموضوع ردا هذا نصه:
تحاول الأستاذة سليمة فراجي في مقالها المنشور بصفحتها Salima Faraji تقديم قراءة تحليلية لحادثة مجلس النواب بين رئيس الحكومة والنائبة البرلمانية ريم شباط، من زاوية الدفاع عن “هيبة المؤسسات” ورفض “الشعبوية” في العمل البرلماني. ورغم أهمية العديد من الأفكار التي طرحتها، إلا أن المقال يبدو منحازًا في عدة مواضع، ويحاول تبرير قرار إحالة النائبة على لجنة الأخلاقيات بناءً على تقييم أخلاقي غير موضوعي.
1. ازدواجية في معالجة الحادثة:
المقال يقرّ بحق المعارضة في انتقاد الحكومة، بل يؤكد على أن الدستور يمنحها هذا الحق من خلال عدة فصول، لكنه في الوقت ذاته يضع خطوطًا حمراء فضفاضة حول “أسلوب” ممارسة هذا الحق، دون تحديد معايير دقيقة لما هو مقبول أو غير مقبول في الخطاب البرلماني.
• هل كان انتقاد ريم شباط يدخل في خانة التجريح الشخصي، أم أنه كان مجرد أسلوب حاد في التعبير عن موقف سياسي؟
• لماذا يتم التركيز على شكل المداخلة وليس مضمونها، الذي طرح قضية النقل الحضري في فاس، وهي قضية تؤثر على آلاف المواطنين؟
إذا كانت الأستاذة سليمة ترى أن “النقد يجب أن يكون موجّهًا للسياسات وليس للأشخاص”، فلماذا لم تطبق هذه القاعدة على رئيس الحكومة نفسه، الذي غالبًا ما يردّ على أسئلة المعارضة بأسلوب ساخر واستفزازي؟
2. اختزال “الشعبوية” في خطاب المعارضة فقط:
المقال يتحدث عن “الشعبوية” وكأنها صفة حصرية للمعارضة، متجاهلًا أن الخطاب الشعبوي قد يصدر أيضًا عن الأغلبية، بل وعن رئيس الحكومة نفسه، الذي سبق له أن استخدم عبارات غير لائقة تجاه برلمانيين ومعارضين.
• إذا كان البرلمان فضاءً للنقاش الراقي، فلماذا لم نسمع موقفًا مشابهًا من الأستاذة سليمة عند صدور خطابات مستفزة من رئيس الحكومة تجاه المعارضة؟

• أليس الرد الحكومي بأسلوب تهكمي أو مستفز شكلًا من أشكال “الشعبوية” أيضًا؟
3. الدفاع عن المؤسسات لا يعني تبرير قرارات غير سليمة:
المقال يضع “هيبة المؤسسات” كخط أحمر لا يجوز المساس به، لكنه يغفل أن احترام المؤسسات لا يعني تحصينها من النقد، بل على العكس، فإن قوة المؤسسات تُقاس بقدرتها على استيعاب النقد لا بقمعه.
قرار إحالة النائبة على لجنة الأخلاقيات لم يكن مبررًا، ليس فقط بسبب أسلوبها، ولكن لأن جوهر مداخلتها كان حول قضية النقل الحضري في فاس، وهو موضوع يستحق النقاش البرلماني. حتى الأستاذة سليمة نفسها تعترف بأن تبرير الإحالة بحجة “عدم اختصاص البرلمان في موضوع النقل الحضري” كان خاطئًا، لكنها لم تطالب بسحب القرار، بل اكتفت بتقديم تصحيح قانوني.
• لماذا لم يتم انتقاد رئيس مجلس النواب بسبب خطئه القانوني الواضح في تبرير الإحالة؟
• هل يمكن الحديث عن “هيبة المؤسسات” عندما يتم استخدام المساطر التأديبية بشكل انتقائي؟
4. اختزال دور المعارضة في تقديم البدائل فقط:
تدعو الأستاذة سليمة إلى أن تلعب المعارضة دورًا اقتراحيًا وليس فقط انتقاديًا، وهذا أمر سليم من حيث المبدأ، لكنه لا يلغي دورها الرقابي في فضح الاختلالات. في الأنظمة الديمقراطية، لا يُطلب من المعارضة تقديم حلول لكل المشاكل، فهذا دور الحكومة التي تملك السلطة التنفيذية والموارد. دور المعارضة الأساسي هو تسليط الضوء على الإخفاقات ودفع الحكومة إلى تحسين أدائها، وليس تقديم “بدائل جاهزة” في كل مرة.
• هل كانت الأستاذة سليمة ستوجه نفس الانتقاد لو أن النائبة تحدثت بلغة دبلوماسية أكثر عن نفس الموضوع؟ أم أن المشكلة تكمن في طرح قضية النقل الحضري بحد ذاتها؟
5. التذرع “بالتوجيهات الملكية” في تقييم الخطاب البرلماني:
المقال ينهي تحليله بالإشارة إلى “التوجيهات الملكية” حول ضرورة الارتقاء بالخطاب السياسي، لكن لا يجب استخدام هذا المبدأ كأداة لإسكات المعارضة أو كمعيار انتقائي يتم تطبيقه على بعض الأصوات دون غيرها.
إن مقال الأستاذة سليمة فراجي يبدو وكأنه محاولة للبحث عن مبررات لإدانة النائبة ريم شباط، أكثر من كونه تحليلًا موضوعيًا للحادثة. في حين أن الدفاع عن هيبة المؤسسات أمر مهم، فإن هذا لا يجب أن يكون على حساب الحق في التعبير والنقد داخل البرلمان. قرار الإحالة على لجنة الأخلاقيات كان خاطئًا في الأساس، ليس فقط بسبب طريقة مداخلة النائبة، ولكن لأنه استند إلى تأويل قانوني غير سليم، وهو ما لم يتم معالجته بوضوح في المقال.
في النهاية، البرلمان ليس مجرد فضاء لتبادل المجاملات، بل هو ساحة للمحاسبة السياسية، حتى لو كان ذلك بأسلوب حاد أحيانًا.