أخبارالرئيسيةثقافة و فن

من جاكرتا الى مكة

بقلم/ د. مهدي عامري

قصة فوق الخيال، مستوحاة من سيرة الاباء و الاجداد.. قصة بين الحلم و الواقع.. اقراها بقلب يملؤه التسليم و الخشوع، لعلك تظفر مثل ابطالها بزيارة ميمونة لاطهر مقام على وجه الارض..

من الجد الخامس إلى الحفيد الأصغر، وعلى مدار خمسة أجيال متعاقبة، حُبِّبَ إلى عائلة ابراهيم سوهارتو الحج والعمرة إلى بيت الله الحرام. كانت هذه الشعيرة بالنسبة لهم أكثر من مجرد طقس ديني، بل كانت عهدًا متجددًا، وموعدًا مقدسًا تتلاقى فيه أرواحهم، وتذوب في بحر العبودية الخالصة، حيث تتلاشى الذوات وتفنى في الواحد الاحد..

كان الجد الأول، الحاج إبراهيم المنحدر من جاكرتا عاصمة اندونيسيا، رجلًا بسيطًا لكنه ذو قلب مليء بالحب و النبل، و كان قد عرف أن الطريق إلى الله يبدأ من مكة، حيث البيت العتيق. ومنذ أول زيارة له لام القرى تعلق وجدانه حد الجنون بالمدينة المقدسة، فزرع في ذريته شوقًا متوارثًا الى بيت الله الحرام، وأقسم أن كل من وُلد من صلبه سيُحمل إلى البيت الحرام ولو زحفًا. وهكذا كانت القافلة تمتد كل عام، جيلاً بعد جيل، حتى جاء يومٌ كان فيه الحفيد الأصغر واقفًا على عتبات الكعبة، وقد انهمرت دموعه ساخنة مدرارة كأنها تغسل روحه من أدران الدنيا الفانية.

و في تلك الليلة، حيث الأفق يتوهج بنور القمر، كان الحاج يوسف، آخر الورثة لهذا العهد، واقفًا في الحرم المكي، خاشعًا أمام الكعبة المشرفة. و كان قد تذكّر وصايا أجداده مقرونة بحديث جميل للنبي ﷺ:

“من حجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه.”
(رواه البخاري ومسلم)

و بالنسبة للحاج يوسف فان كل حجر و شجر و بشر هنا يبدو عجيبا غريبا مسربلا بالبهاء و مصطبغا بنور الله..

الكعبة، الصفا والمروة، مقام إبراهيم، الحجر الأسود… كل شيء كان يعبق برائحة الخلود، وكأنه لم يكن يسير في هذه الدنيا بل في عالم آخر يُغسَل فيه القلب حتى يعود نقيًا كأرواح الأنبياء. وحين مسّ أستار الكعبة الشريفة، شعر برجفة تسري في جسده، وكأنها لحظة ولادة جديدة، أو ربما موت صغير، حيث تنخلع النفس عن ماديتها، وتحلق في فضاء القدس الإلهي.

و عند الفجر، حين رفع الاذان من صوامع الحرم، رفع الحاج يوسف رأسه إلى السماء وقال:
“رب اجعل هذا البيت امنا و ارزق اهله من الثمرات.. الهي، هذه الرحلة ليست تتويجًا، بل بداية… قربني إليك يا حبيبي حتى اهرب من نفسي الامارة بالسوء عساني اتطهر و اكون جاهزا للفناء في حضرتك..

و قبيل مقامه بمكة كان الحاج يوسف قد زار في البدء المدينة المنورة، حيث السلام و الحب و الرحمة تفيض من مدينة النبي و مقامه الشريف، وحيث المسجد النبوي يشع بهاءً لا مثيل له. وعندما دخل الروضة الشريفة استشعر في اعماقه خشوعا رهيبا تعجز عن وصفه الكلمات و اجهش في البكاء الممزوج بالدعاء الصادق، ربما لانه قد خُيّل إليه أنه موجود في روضة من رياض الجنة.

و هنا، همس الحاج يوسف من أعماق قلبه:
“يا حبيب الله، إني أتيتك زائرًا، شوقًا وحبًّا، فاجعلني يا الله ممن تنالني شفاعة نبيك الكريم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم”.

و في الساعات الأخيرة قبل الرحيل، وقف الحاج يوسف أمام الكعبة مرة أخرى، وشعر بحزن عميق يعتصر قلبه، كأن روحه تُنتزع منه. و نظر إلى هذا البيت العظيم، وقال بصوت مرتجف:

“وداعًا يا أم القرى، لكن لعلّي أزورك مرة أخرى، فمن يدري؟ فالله مجيب الدعاء، وهو على كل شيء قدير.”

وحين حان وقت المغادرة، كان يمشي بين أروقة الحرم كمن يُقتلع من موطنه. و في لحظة لا تنسى رفع يديه الى السماء وقال:
“اللهم ارزقنا زيارات عديدة لبيتك الحرام، بفضلك وجودك وكرمك.. اللهم امين يا رب العالمين”.

و حين انتهت زيارته الى الديار المقدسة و عاد إلى بيته و اهله بجاكرتا كان هناك شيء عميق في قلبه قد تغير. لقد أدرك أن العمرة ليست نهاية الرحلة، بل هي البداية. كما استيقن أن السير إلى الله هو المبتدأ والمنتهى، وأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة. و كان يسير في شوارع مدينته لكنه يشعر أن قلبه ما زال هناك، في مسجد النبي، في الحرم، عند الكعبة، في الروضة الشريفة، في طواف العشق والفناء في الله..

و قال لنفسه:

الآن فهمت ما قاله ابن عربي :

إذا أردت الحج فطُف بقلبك، فإن القلب هو بيت الله.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button