أخبارأخبار سريعةإفريقيا

موريتانيا واستراتيجيتها الجديدة تجاه البوليساريو: سياسة الحياد النشط أم تقارب محسوب مع المغرب؟

لطالما انتهجت موريتانيا سياسة التوازن الدبلوماسي بين المغرب والجزائر في ملف الصحراء، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات استراتيجية في نهجها، خاصة بعد تولي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحكم في أغسطس 2019. ومع تزايد الضغوط الجزائرية على نواكشوط لمنع تقاربها مع الرباط، يبدو أن موريتانيا تعتمد نهجًا براغماتيًا جديدًا يحفظ مصالحها الأمنية والاقتصادية، دون الدخول في صدام مباشر مع أي طرف.

-موريتانيا والحياد المتغير في ملف الصحراء

رغم تأكيد الرئيس الموريتاني في عدة مناسبات على التزام بلاده بـ”الحياد” في ملف الصحراء، فإن مؤشرات عديدة تدل على إعادة ضبط هذا الحياد بما يخدم المصالح الوطنية الموريتانية. فقد أصبح واضحًا أن جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، تشكل تهديدًا مباشرًا لموريتانيا، خاصة في ظل التوترات الأمنية على الحدود الشمالية الشرقية.

بحسب تقرير نشره موقع “أنفو موريتانيا”، فإن الاستراتيجية التي يعتمدها ولد الغزواني توصف بـ”الواقعية العقلانية”، حيث تسعى إلى احتواء المخاطر دون التصادم المباشر. هذه المقاربة تهدف إلى إضعاف البوليساريو تدريجيًا من خلال ثلاث ركائز رئيسة:

-تعزيز التعاون الاقتصادي مع المغرب

فتح المعابر الحدودية لتقويض النفوذ العسكري والاقتصادي للبوليساريو
التنسيق الأمني والدبلوماسي لمواجهة التهديدات المشتركة

-التعاون الاقتصادي: تحجيم دور البوليساريو عبر المصالح المشتركة

يُعتبر التعاون الاقتصادي أحد أدوات التأثير غير المباشر التي تعتمدها موريتانيا لتقليل نفوذ البوليساريو. فكلما تعززت المصالح المشتركة مع المغرب، قلَّ تأثير البوليساريو التي تستفيد من الأوضاع الاقتصادية الهشة. ومن بين أبرز المشاريع المطروحة في هذا السياق:

التعاون في مجال الطاقة: يمتلك المغرب فائضًا من الكهرباء، خاصة من المصادر المتجددة (الطاقة الشمسية والريحية)، ويمكنه تزويد موريتانيا بطاقة نظيفة ومستدامة، مما يقلل اعتمادها على مصادر الطاقة التقليدية ويساهم في استقرارها الاقتصادي.

المشاريع الاستثمارية المشتركة: تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، مما يجعل موريتانيا أكثر ارتباطًا بالمغرب اقتصاديًا وأقل تأثرًا بتقلبات الصراع الإقليمي.

فتح المعابر التجارية وتعزيز المبادلات التجارية: مثل معبر “الكركرات” الذي يشكل شريانًا حيويًا يربط المغرب بموريتانيا وباقي دول غرب إفريقيا. كما أن مشروع معبر “آمغالا” الجديد، الذي سيربط السمارة جنوب المغرب ببير أم كرين شمال موريتانيا، سيلعب دورًا محوريًا في تعزيز التجارة وتقليص مساحة تحرك البوليساريو.

-التنسيق الأمني والدبلوماسي: نحو شراكة استراتيجية مع المغرب

في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها منطقة الساحل، تدرك موريتانيا أن التنسيق الأمني مع المغرب يمكن أن يعزز استقرارها الداخلي ويحد من المخاطر المتزايدة للجماعات المسلحة والأنشطة غير المشروعة التي تستغلها البوليساريو. ومن بين أبرز ملامح هذا التعاون:

مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة: يشكل التنسيق العسكري والاستخباراتي بين نواكشوط والرباط جدارًا أمنيًا ضد التهديدات القادمة من المنطقة العازلة.

الدعم الدبلوماسي المتبادل: حيث يمكن لموريتانيا أن تلعب دورًا في دعم الحلول السلمية للنزاع الصحراوي، مقابل تعزيز موقعها الإقليمي كشريك موثوق في الاستقرار الإقليمي.

-موريتانيا بين التوازن الإقليمي والرهانات المستقبلية

تكشف هذه الاستراتيجية أن موريتانيا لا تسعى إلى القضاء المباشر على البوليساريو، لكنها تعتمد أسلوب الاحتواء التدريجي عبر بناء منظومة اقتصادية قوية تجعل وجود الجبهة غير ذي جدوى، حتى بالنسبة للجزائر. في الوقت نفسه، تحرص نواكشوط على عدم التصادم مع الجزائر، التي تبقى شريكًا استراتيجيًا مهمًا.

يبقى السؤال المطروح: هل سينجح ولد الغزواني في تحقيق هذا التوازن الحساس بين المصالح الاقتصادية مع المغرب، والعلاقات التاريخية مع الجزائر، والتحديات الأمنية التي تفرضها البوليساريو؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالكشف عن مآلات هذه الاستراتيجية الجديدة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button