متلازمة عصفور الزينة

يولد الإنسان وفي أعماقه جذوة الحرية، لكنه يجد نفسه في معركة شرسة بين فطرته الطامحة للانطلاق وحياة أخرى تُغلَّف بالقيود تحت شعار الأمان وتقليل المخاطر. إنها مواجهة أزلية بين روح تبحث عن فضاء بلا حدود، ونظام يسعى لترويضها باسم الاستقرار.

لكن، لو عدنا خطوة إلى الوراء لنحصل على رؤية أشمل لطرحنا أكثر من سؤال. ألا يمكن أن يكون قد تم تحريف مفهوم المخاطر؟
هذا تساؤل قد يدفعك إلى تصديق نظرية المؤامرة؛ فإذا كان الإنجيل، بجلال قدره، قد تم تحريفه، فلماذا لا يتم تحريف معنى كلمة في قاموس الكائن البشري؟ أليس كل شيء مباحًا في سبيل دوران عجلة الاقتصاد العالمي؟
إن عجلة الاقتصاد في حاجة ملحّة ومستمرّة إلى كائنات أليفة ومطيعة، لكن رغم طاعتها فإنها تعلم في قرارة نفسها أن ذلك يتنافى مع الطبيعة المتمردة للخلق. و هنا ليس لنا إلا استحضار دوستويفسكي الذي يقول : “الإنسان يفضل أن يعيش في العذاب المألوف على أن يسعى إلى سعادة مجهولة”.
ما النتيجة إذن؟
مع مرور السنين، تبنّى الإنسان، بشكل لا إرادي، متلازمة عصفور الزينة، وكأنه يحمل فيروسًا بلا لقاح. لا يستطيع تخيل حياته خارج القفص، وإن خرج، لا يستطيع الصمود. لذلك، فإن أول خطوة للخروج من السرب ومخالفة القطيع هي التعافي من هذه المتلازمة.
يخيل لكم أننا الآن انتهينا .. لكننا في الواقع في بداية البدايات.
سأتحدث نيابة عن نفسي، وأصالة عن مكنوني:
أنا لا أريد.
لا أريد أن أتحول إلى شخصٍ يكون مجرد محطة إجبارية لأحفادي في الأعياد والمناسبات.
لا أريد أن أعيش وأموت دون أن أترك سيرةً تعمر خلفي لعقود على الأقل.
لا أريد أن أكون مجرد ذكرى في زاوية معزولة من ذاكرة أبنائي.
لن أكون مجرد قبر يشغل مساحة متر في متر، يُزاح بعد خمسين سنة لإفساح المجال لرفات آخر كان ينتظر دوره بعد انتهاء الصلاحية.
أنا أطمح إلى ترك إرثٍ يعيش خلفي، حتى لو لاموني يومًا على التغريد خارج السرب. يكفيني شرفًا أنهم تمكّنوا من تمييز صوتي، حتى لو كان صوتهم أعلى، فلا سعادة في أن تكون مجرد صوت ضمن أصوات غير مميزة.
وإن كان هذا غرورًا، فليكن، لكن السعي نحو الخلود مستمر.
تبا للوظيفة المضمونة..
تبا للراتب المضمون !
ان تقديم ثلاثين أو أربعين سنة من عمرك لن يجعلك سوى رقم إضافي في سلسلة أرقام تعريفية في صندوق الضمان الاجتماعي. و لعل الأمر أشد فتكًا من إدمان الهيروين؛ لأنك لا تستطيع الاستغناء عنه مهما حاولت. وحتى بمجرد التفكير في ذلك، ستظهر عليك أعراض الانسحاب، فيستنزفك ويأكل من طاقتك.
اسمعني جيدا. انها قصة العبد الذي يقع في حب جلاده؛ فهل هذا هو التعريف المثالي للعلاقة “السامة” بمفهوم جيل الألفا؟؟
سأترك النهاية مفتوحة لقارئها، وأضع بين يديك أبيات الشاعر المصري فاروق جويدة :
قدمتَ عمرك للأحلام قربانًا
لا خُنت عهدًا، ولا خادعتَ إنسانًا
والآن تحمل أحلامًا مبعثرةً
هل هان حلمك… أم أنتَ الذي هانا؟