
الصادق البديري/ صحفي سوداني
رمضان هذا العام جاء بغيومه الثقيلة، وحزنه العميق، فقد انتقل إلى رحاب الله تعالى الوزير محمد بن عيسى، الرجل الذي كان رمزًا للإنسانية، وحاملًا لرسالة الثقافة والفن، وصديقًا للسودان والسودانيين. في الذاكرة التقيته مرتين في الرباط لقاءين لا يُنسَيان، حيث جلسنا في ركن هادئ من المدينة، يتحدث عن حبه للسودان، وعن صداقته العميقة مع الأديب العالمي الطيب صالح. كان حديثه ينساب كالنهر الهادئ، يحمل في طياته حكايات عن مدينة “أصيلة”، تلك القرية الصغيرة التي تحولت بفضل جهوده وصداقته مع الطيب صالح إلى منارة للفن والثقافة.تحدث بن عيسى عن الطيب صالح وكأنه يتحدث عن جزء من روحه، عن رفيق دربٍ طويل، عن شريك في حلمٍ إنسانيٍّ كبير. كان يقول: “الطيب صالح كان أكثر من صديق، كان أخًا، كان شريكًا في رؤيةٍ أرادت أن تجعل من أصيلة مكانًا يجمع الثقافات، ويحتضن الفنون، ويحتفل بالإنسانية.” كانت عيناه تلمعان وهو يتحدث، وكأنه يسترجع ذكرياتٍ عزيزة، وكأن الطيب صالح يجلس معنا في تلك اللحظة.لكن الحزن كان يطل برأسه بين كلماته، حزنٌ على فراق صديقٍ عزيز، وحزنٌ على أيامٍ مضت لن تعود. كان بن عيسى يعيش بقلبه قبل عقله، وكانت مشاعره تفيض بالحب والتقدير لكل من عرفهم في حياته، خاصة السودانيين الذين كان يرى فيهم روحًا طيبة، وقلوبًا كبيرة، ويقول: “السودان ليس بلدًا، السودان هو قلبٌ نابض بالحياة، هو تاريخٌ عريق، هو شعبٌ كريمٌ يستحق كل خير.”وها هو رمضان يمضي، وبن عيسى يرحل في بداية شهر الرحمة والغفران، تاركًا وراءه إرثًا إنسانيًّا كبيرًا، وإرثًا ثقافيًّا سيظل خالدًا. رحل وهو يحمل في قلبه حبًا كبيرًا للطيب صالح، للسودان، وللإنسانية جمعاء. رحل تاركًا لنا ذكرياتٍ جميلة، وحزنًا عميقًا على فراقه.