قصص و شخصيات

السادس من رمضان: غارة طريف الأمازيغي التي مهدت لفتح الأندلس

في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المبارك، من عام 91 هجرية، شن طريف بن مالك غارة على الساحل الإسباني، بعد أن استطاع عبور المضيق الذي سيطلق عليه فيما بعد اسم مضيق جبل طارق، ومعه مائة فارس وأربعمائة جندي، ونزل في مكان يسمى حتى الآن باسمه وهو (Tarifa)، وأغارت السرية الأمازيغية على المناطق التي تليها بالجزيرة الخضراء ثم عادوا سالمين.

وقد شكلت هذه الغارة تحولا في التكتيك الحربي للقائد موسى بن نصير، حيث تبين له ضعف القوات الإسبانية، فعقد العزم على خوض غمار معركة الفتح، وهو ما تم بالفعل بعد سنة من هطا التاريخ عندما جهز جيشا قوامه أزيد من سبعة آلاف محارب بقيادة قائده ونائبه على طنجة طارق بن زياد، ومن عجائب الصدف أن حملات فتح الأندلس حدثت بالجملة في رمضان على امتداد ثلاث سنوات، في رمضان سنة 91 للهجرة، ورمضان من السنة الموالية ثم السنة التي تليها، الأولى كانت بقيادة طريف والثانية بقيادة طارق والثالثة قادها موسى بن نصير.

يقول الكاتب المتخصص في تاريخ الحروب الإسلامية اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه قادة فتح الأندلس المجلد 1 ص416 وما يليها: “طريف بن مالك فاتح جزيرة طريف والجزيرة الخضراء، هو طريف بن مالك من البربر، يكنى: أبا زُرْعَة، وهو طريف البربري مولى موسى بن نصير، الذي تنسب إليه جزيرة طريف،  وطريف ينتسب إلى قبيلة بَرغَواطة البربرية من البرانس، ومن المعلوم أن البربر قسمان: البرانس، والبتر، وكانت قبيلة بَرَغْواطة تسكن الإقليم المواجه للبحر المحيط شمال وادي أمّ ربيع، حول منطقة مدينة الرباط الحالية، وسنجد أن طريفاً ليس من قبيلة برغواطة حسب، بل هو رئيسها، وكان له دور كبير في تلك القبيلة، من ناحيتي: العقيدة، والقتال، أي في توجيهها الفكري، وفي قيادتها في ميادين القتال.

… بدأ موسى بن نصير استشارته للخلافة في دمشق، وكان الخليفة القائم حينذاك هو الوليد بن عبد الملك بن مروان (86 هـ- 96 هـ) ، بعد اتصالاته بيُولْيَان صاحب مدينة سَبْتَة أو قبل اتصالاته بيوليان. وقد تردّدت الخلافة بادئ الأمر في الموافقة على القيام بمثل هذه العملية الكبيرة: فتح الأندلس، خوفاً على المسلمين من ركوب البحر، ومن صعوبة القتال بحراً وبرّاً، وهي تعلم أن خبرة المسلمين والعرب منهم بخاصة في فنون القتال البحري قليلة جداً.  

فقد كتب موسى بن نصير إلى الوليد بن عبد الملك، يخبره بالذي دعاه إليه يليان (من فتح الأندلس) من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها. وكتب إليه الوليد: “أن خُضْها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال” . وراجعه موسى: “أنه ليس ببحرٍ زَخّار، وإنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه” ، فكتب إليه: “وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه”.  

وأرسل موسى في (السادس من) شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين الهجرية /710 م، سرية استطلاعية إلى جنوبي الأندلس، مؤلفة من خمسمائة مجاهد، منهم مئة فارس، والباقي من المشاة، بقيادة أبي  زُرْعَة طريف بن مالك، وهو مسلم من البربر. وعبر هذا الجيش الزّقاق، والزّقاق اسم يطلق أحياناً على المضيق بين الأندلس وشمالي إفريقية، من سبتة، بسفن يوليان أو غيره، ونزل في جزيرة بالوما ( Isla de las Palomas) في الجانب الإسباني، وعُرفت هذه الجزيرة فيما بعد باسم هذا القائد: جزيرة طريف ( Tarifa) ومن ذلك الموقع، الذي اتخذه طريف وسريته الاستطلاعية القتالية قاعدة أمامية متقدمة، قام طريف وسريته بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل الأندلسي الجنوبي بإرشاد ي يوليان وصحبه، وأغار على الجزيرة الخضراء، فأصاب غنيمة كبيرة، ورجع سالماً في رمضان أيضاً سنة إحدى وتسعين الهجرية، فلما رأى الناس ذلك تسرّعوا إلى الغزو، وتشجعوا على فتح الأندلس. وخفت قوة من أنصار يوليان وأبناء غيطشة لعون المسلمين، كما قامت تلك القوة بحراسة موقع إنزال المسلمين في جنوبي الأندلس، وكانت نتيجة الغارة الاستطلاعية التي قادها طريف، أن المسلمين غنموا مغانم كثيرة وسبياً عديداً، وقوبلوا بالإكرام والترحيب، وشهدوا كثيراً من دلائل خصب الجزيرة وغناها، وعادوا في أمنٍ وسلام. وقصّ قائدهم طريف على موسى نتائج رحلته، فاستبشر بالفتح، وجدّ في أهبة الفتح، كما تشجع موسى وأخذ يستعد لإرسال حملة عظيمة تقوم بالفتح المستدام”.  

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button