حكاية الألفة التي تلاشت

بقلم: ذ.مولاي الحسن بنسيدي علي
كان يا ما كان، في زمنٍ ليس ببعيد، حين كانت الأبواب مفتوحة بلا مفاتيح، والقلوب ممتلئة بالودّ لا بالشكوك. كان الجار يعرف أنين جاره قبل أن يستنجد، وكان العابر في الحي يخرج محمّلاً بدعوات الخير قبل أن يخرج بزاد يملأ جعبته. لم تكن الحاجة تُقال، بل تُفهم، ولم يكن الجائع يستجدي، بل يُؤخذ بيده إلى مائدة ممتدة لا تعرف الفرق بين ابن الدار وضيفها.
في ذاك الزمن، حين تمرّ امرأة حامل قرب بيت تفوح منه رائحة شواء أو قهوة، لا تحتاج أن تتكلم، يكفي أن تقف لحظة حتى تُدعى بكرمٍ لا يُسأل عن سببه، فيُكرمها أهل الدار بما يرضي وحمها، وكأنّ كرمهم جزء من فطرتهم لا فضيلة يُشكرون عليها.
وحين يرحل أحدهم، يُغلق بيت الحزن عن النار، فلا يُشعل أهله موقدًا، ولا تمتد أيديهم إلى الطهي، فالجيران يعرفون أن الحزن أكلهم، وأن الفقد أفقدهم الشهية، فيُحمل إليهم الطعام من كل بيت، حتى يصبح العزاء مأدبة للمواساة لا مجرد مجلس للبكاء.
وفي موسم الحصاد، كان الفلاحون يجتمعون تحت راية “التويزة”، يحرثون، يغرسون، ويحصدون معًا، وكأنّ الخير لا يُجمع إلا بالأيدي المتشابكة. لم يكن أحد يُترك وحده أمام أرضه، فالزرع كان مشتركًا، حتى وإن كان كلّ في حقله، لأن العرق المسكوب كان للجميع.
لكن، آهٍ من زمن تبدل…
انغلقت الأبواب كما انغلقت القلوب، وتفرّق الأحباب كما تتفرّق أوراق الخريف في مهبّ الريح. لم يعد الجار يعرف جاره، ولم تعد الموائد تمتد إلا لأصحابها. صارت العيون تمضي سريعًا، خشية أن تلتقي بنظرة مستنجدة، وصار السؤال عن الحال رفاهية لا وقت لها.
أما الفقد… فقد صار يحمل وجعه وحده، لا أكتاف تسانده، ولا أيدي تسنده، ولا مواساة تأتي بلا موعد.
إنه الزمن الذي تغيّر، أو لعلّه الناس هم من تغيّروا، فتغيرت معه كل المعاني الجميلة… ويا حسرتاه على زمنٍ ولى!