الرابع والعشرون من رمضان: “ادهار أوبران” أولى معارك التحرير بمنطقة الريف

في مثل هذا اليوم من رمضان من سنة 1339 هـ الموافق فاتح يونيو 1921 م، انطلقت أولى معارك ملحمة التحرير التي قادها أبطال منطقة الريف في المغرب بخوضهم معركة “أدهار أبران”.
وكان الجنرال سلفستري قد أصبح قائدا عاما على المناطق الريفية المحتلة من طرف إسبانيا في بداية العشرينيات من القرن الماضي، وبدأ يفكر جدياً في بسط نفوذه على مجموع منطقة الريف، وبالأخص مدينة الحسيمة التي لم تكن إسبانيا تسيطر منها سوى على جزيرة أنكور، وكان سلفستري يهدف إلى إدخال قواته عبر خليج الحسيمة لتسهيل عملية احتلال باقي المناطق، لولا تصدي عبد الكريم الخطابي (الأب) لهذه المحاولة الإسبانية ومعارضته لها بشدة، وقيامه بتأسيس مركز للمجاهدين في موقع “وضيع” بمنطقة تفرسيت، غير أنه في غمرة قيامه بحشد القبائل لمواجهة الإسبان سيتعرض للتسمم، وفقاً لمعظم الروايات التاريخية، ويروى أنه عندما كان على فراش الموت، وجه حديثه إلى ولديه محمد وامحمد قائلا لهما: “إذا لم تتمكنا من الدفاع عن استقلال الريف وحقوق أهله، فعليكما مغادرة هذه الأرض والبحث عن مكان آخر”.
بعد وفاة عبد الكريم الخطابي في السابع من غشت عام 1920، تولى ابنه مولاي موحند (محمد بن عبد الكريم الخطابي) زمام قيادة المقاومة الريفية، وفي شهر شتنبر من نفس السنة، عقد اجتماعا مع أعيان قبائل آيت ورياغل لبحث سبل مواجهة التوغل الاستعماري الإسباني الذي بدأ يمتد إلى منطقة تمسمان، كما عقد اجتماعات أخرى مع مختلف القبائل الريفية لحث السكان على حمل السلاح دفاعاً عن وطنهم، وقد واجه الخطابي تردد معظم القبائل في الانضمام إلى مقاومة الاستعمار الإسباني، باستثناء بضعة قبائل أيدت المشروع التحرري الوليد، وتشكلت القيادة العامة التي ستتخذ من منطقة القامة في تمسمان مركزا لتدريب المجاهدين وعقد الاجتماعات التشاورية والتداولية للتخطيط لمواجهة الاستعمار.
عجلت الأطماع الاستعمارية الإسبانية المتزايدة باندلاع المقاومة الريفية في الرابع والعشرين من رمضان 1339 هـ، الموافق للأول من يونيو عام 1921، ففي فجر ذلك اليوم، بدأ الإسبان بالتقدم نحو جبل “ادهار أوبران”، وكانت القوة الإسبانية تتألف من ألف وخمسمائة جندي انطلقت ليلا من أنوال، وقامت بتحصين موقعها ببناء سور من الحجارة تعلوه أكياس الرمل وتتقدمه أسلاك شائكة تحسبا لأي هجوم من جانب الريفيين، لكن عزيمة المقاتلين الريفيين كانت أقوى من تحصينات العدو وجنوده.
كان عدد المجاهدين الريفيين آنذاك حوالي 300 رجل بقيادة المجاهد “أعمار التمسماني” وابنه، وتم توزيعهم على ثلاث مجموعات تمركزت اثنتان منها على المرتفعات الغربية والشمالية لادهار أوبران لتغطية المجموعة الثالثة التي ستشن الهجوم من الشرق، اتخذت هذه المجموعات مواقعها دون إثارة الانتباه، وبدأت الهجوم بعد الساعة الثالثة بعد الظهر، عندما انسحبت معظم القوات الإسبانية تاركة وراءها بضع مئات من الجنود في مواقع دفاعية محصنة، فبادر المقاومون إلى إطلاق النار من جهات متعددة، ولم يتمكنرالجنود الإسبان من صد الموجة الأخيرة من الهجوم، رغم استخدامهم للقذائف المتفجرة، وفي تمام الساعة الخامسة مساء، كانت المعركة قد حسمت لصالح المجاهدين الذين تمكنوا من الاستيلاء على المركز رغم إمدادات الجيش الإسباني الذي قتل منه أكثر من 400 جندي والاستيلاء على كمية كبيرة من الأسلحة.
ولم يشارك محمد بن عبد الكريم الخطابي في معركة ادهار أوبران، بسبب تواجده في إمزورن لمناقشة أعيان القبيلة من أجل الانضمام إلى المقاومة تحت قيادته، فكان سماع خبر انتصار الريفيين في ادهار أوبران النقطة الحاسمة التي أشعلت حماس القبائل الريفية برمتها وووحدتها للدفاع عن الوطن.
وفي اليوم الموالي الثاني من يونيو عام 1921، بادرت المقاومة المغربية المسلحة بالهجوم على موقع “سيدي إدريس”، ورغم تدخل فرقة التدخل السريع الإسبانية من أنوال لإنقاذ الجنود الإسبان، إلا أن عزيمة الريفيين وصمودهم أجبر العدو على الانسحاب من “سيدي إدريس” بعد ارتفاع عدد القتلى والجرحى في صفوفه.
لقد ساهم هذان الانتصاران في معركتي أدهار أوبران وسيدي إدريس في تعزيز صفوف الحركة الريفية وتقويتها، مما أدى إلى ارتفاع معنويات المقاومين وتوافد المزيد من القبائل لإعلان ولائها لمحمد بن عبد الكريم الخطابي واستعدادها لمقاومة الاستعمار تحت قيادته، كما تمكن الريفيون من الحصول على مدافع وأسلحة متنوعة، مكنتهم من القدرة على المواجهة وإيقاع الخسائر في العدو، وهو ما سيتوج بعد شهر من تاريخ المعركتين بالانتصار التاريخي المدوي في معركة أنوال المجيدة.