أخبارالرئيسيةفي الصميم

إلغاء انتخابات 2026: تهديد للديمقراطية أم دعوة لإصلاح المشهد السياسي؟

في خضم النقاشات السياسية الدائرة حول العملية الانتخابية في المغرب، برزت بعض الأصوات المطالبة بإلغاء انتخابات 2026 وتشكيل حكومة تكنوقراط بدلاً من الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. هذا الطرح، رغم ما يبدو عليه من وجاهة نظرية، يثير إشكالات عميقة على المستوى السياسي، الدستوري والحقوقي، بما يفرض مناقشته بعمق وتقديم رد موضوعي يستند إلى أسس قانونية ومبادئ الديمقراطية الدستورية.

بقلم: ذ. زهير أصدور

أولًا: السياق السياسي والدستوري للعملية الانتخابية.

تُعد الانتخابات من أبرز مظاهر الممارسة الديمقراطية، حيث تُجسد الإرادة الشعبية وتعبر عن المشاركة السياسية للمواطنين في إدارة الشأن العام.

إن النظام السياسي المغربي قائم على التعددية الحزبية، ومرتكز على خيار ديمقراطي نص عليه دستور 2011 في تصديره، حيث يؤكد أن “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، وضمان مقومات العيش المشترك، ومتمسكة بقيم الانفتاح، والاعتدال، والتسامح، والحوار، وحريصة على تقوية وتعزيز مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة، والتعددية، والحكامة الجيدة”.

المادة 1 من الدستور تؤكد بوضوح أن “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”. ويترتب على ذلك أن المشروعية السياسية للحكومة لا تستند إلى الكفاءة التقنية وحدها، وإنما تنبع من الإرادة الشعبية التي تُفرزها صناديق الاقتراع.

وبالتالي، فإن إلغاء الانتخابات يتناقض جوهريًا مع المبدأ الديمقراطي، ويمثل انقلابًا على المشروعية الدستورية، لأنه يتعارض مع الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي المغربي، والتي تستند إلى الاختيار الشعبي والشرعية الانتخابية.

ثانيًا: إشكالية الحكومة التكنوقراطية بين النظرية والواقع

طرح الحكومة التكنوقراطية كبديل للانتخابات يحمل في طياته إشكالات عميقة على المستوى السياسي والدستوري:

1. التكنوقراط لا يمثلون الإرادة الشعبية:تشكيل حكومة تكنوقراط يعني إسناد تسيير الشأن العام إلى أشخاص غير منتخبين، أي أنهم يفتقدون إلى التفويض الشعبي الضروري لممارسة السلطة التنفيذية. وهذا يُضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل 1 من الدستور.

2. التكنوقراط لا يملكون الشرعية السياسية:

الحكومة، وفقًا للدستور، تُشكَّل بناءً على نتائج الانتخابات التشريعية. الفصل 47 من الدستور ينص بوضوح على أن “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”.

وبالتالي، فإن إلغاء الانتخابات وتشكيل حكومة تكنوقراط يعني تجاوز هذا الإطار الدستوري.

3. إلغاء الانتخابات يعطل وظيفة المؤسسات الدستورية:

البرلمان المنتخب يُمثل السلطة التشريعية التي تراقب العمل الحكومي، وتسن القوانين، وتمارس سلطتها في إطار التوازن المؤسساتي. إلغاء الانتخابات يفرغ هذه المؤسسة من وظيفتها الدستورية، ويُحدث خللًا في مبدأ الفصل بين السلطات.

ثالثًا: البُعد الحقوقي والديمقراطي

إلغاء الانتخابات لا يُمثل فقط مسًا بالدستور، وإنما هو أيضًا ضرب لحقوق المواطنين السياسية، التي تُعد من صميم الحقوق المدنية الأساسية. • الفصل 30 من الدستور يؤكد أن “لكل مواطنة ومواطن الحق في التصويت والترشح للانتخابات”. إلغاء الانتخابات يعني مصادرة حق المواطنين في اختيار ممثليهم. • المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن “إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكم، ويجب أن تُعبر هذه الإرادة عن طريق انتخابات نزيهة تجري على فترات دورية”. • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الذي صادق عليه المغرب) ينص في المادة 25 على أن “لكل مواطن الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يُختارون في انتخابات حرة ونزيهة”.

وبالتالي، فإن إلغاء الانتخابات ينتهك الحقوق السياسية للمواطنين، ويضع المغرب في موقف يتعارض مع التزاماته الدولية في مجال احترام الحقوق المدنية والسياسية.رابعًا: الحل لا يكمن في إلغاء الانتخابات وإنما في إصلاح المشهد السياسي. بدلًا من إلغاء الانتخابات، الحل يكمن في:

إصلاح المنظومة الحزبية: من خلال تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتشجيع المشاركة الشبابية، وتمكين الكفاءات الوطنية من الترشح. تعزيز النزاهة الانتخابية: من خلال تشديد الرقابة على العملية الانتخابية، وضمان تكافؤ الفرص بين الأحزاب. • محاربة الفساد السياسي: عبر تفعيل آليات المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل عملي.

تشجيع المشاركة السياسية: من خلال إطلاق مبادرات لتعزيز وعي المواطنين بأهمية المشاركة في صنع القرار.خامسًا: التكنوقراط ليسوا بديلاً عن الديمقراطية. التجارب الدولية تُظهر أن الحكومات التكنوقراطية لا تُشكل حلًا سحريًا للأزمات السياسية والاقتصادية، بل قد تُعمّق أحيانًا الفجوة بين المواطن والدولة بسبب غياب البُعد التمثيلي. الحكومات التكنوقراطية تُعتمد غالبًا في حالات استثنائية (مثل الأزمات الاقتصادية العميقة)، لكنها تظل خيارًا مؤقتًا، وليست قاعدة للحكم.

إن إلغاء انتخابات 2026 يُعد خطوة خطيرة من الناحية السياسية والدستورية، لأنه يتعارض مع مرتكزات النظام الديمقراطي المغربي، ويمس بجوهر الحقوق السياسية للمواطنين.

الحل ليس في تعطيل العملية الديمقراطية، وإنما في إصلاحها وتطويرها، عبر تقوية المؤسسات الحزبية، وتعزيز ثقة المواطنين في العمل السياسي، وضمان شفافية ونزاهة الانتخابات.المغرب بحاجة إلى ديمقراطية قوية، تستند إلى إرادة الشعب، لا إلى حكومة مؤقتة من التكنوقراط.

إن مواجهة الأزمات لا تكون عبر الهروب من الديمقراطية، وإنما عبر تعزيزها، لأن الديمقراطية الحقيقية هي السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والتنمية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button