أخبارالرئيسية

هل نعيش نهاية الفن مع الذكاء الاصطناعي؟

“ٱلْفَنُّ لَمْ يَعُدْ يَحْتَلُّ ذَاكَ ٱلْمَقَامَ ٱلْأَعْلَى لِلْحَقِيقَةِ كَمَا كَانَ فِي ٱلْعُصُورِ ٱلسَّابِقَةِ؛ لَقَدْ أَصْبَحَ شَيْئًا مِنَ ٱلْمَاضِي.”
— هيغل، مُحَاضَرَاتٌ فِي عِلْمِ ٱلْجَمَال

بقلم: د. مهدي عامري
خبير في الذكاء الاصطناعي والرقمنة، كاتب، أستاذ باحث بالمعهد العالي للإعلام والاتصال

لا عجب أن سؤال نهاية الفن ليس جديدًا. لقد طرحه هيغل من قبل في معرض حديثه عن اكتمال الروح المطلقة. لكننا اليوم إزاء سؤال آخر، أكثر عمقًا وحدة، إذ لم يعد الفن يتهدده الاكتمال، بل الانتحال. و هكذا، فإن الذكاء الاصطناعي، هذا الطفل السيبراني الذي شبّ فجأة عن الطوق، لم يعد يُحاكي الفن فحسب، بل بات يصنعه، يسرقه، ويعرضه على الملأ دون خجل، ودون أدنى إحساس بتأنيب الضمير!

في زمن ما بعد الحقيقة، حيث لم تعد الوقائع راسخة ولا المرجعيات ثابتة، أصبح الفن أيضًا ضحية لهذا التسيب المعرفي. قال رولان بارت يومًا إن المؤلف قد مات، لكننا اليوم نرى قاتلًا جديدًا يتسلل إلى الأستوديو، إلى الورشة، إلى المرسم، إلى دفتر السيناريو: إنه الذكاء الاصطناعي.

ان هذا الكائن الرقمي لا يحمل روحًا، لكنه يتقن التقمص. انه لا يعرف الجوع ولا الحب، لكنه يرسمهما بطريقة تكاد تخدع الحواس. فهل هو القاتل المتسلسل الجديد للفن الأصيل؟

حين نلقي نظرة فاحصة على الفن في عصر الذكاء الاصطناعي، فإننا لا نتحدث عن استبدال أداة بأخرى، بل عن اختلال في بنية المعنى ذاتها. الذكاء الاصطناعي لا يُبدع، بل يُولّد. لا يُخاطب، بل يُكرر. وكأن كل عمل فني جديد تولّده الخوارزميات ليس سوى ظلًّا لظل، صدى بلا صوت أول، نسخة بلا أصل.

هنا تستعيد مقولة رولان بارت معناها، ولكن بنبرة درامية: ليس المؤلف وحده من مات، بل العمل الفني نفسه، حين يخرج من رحم الآلة، يولد ميتًا.

ان الأمثلة على زعزعة الذكاء الاصطناعي للساحة الفنية كثيرة وفاضحة. و من بينها ان أحد مستخدمي Midjourney، مثلًا، تلقى جائزة في مسابقة فنون رقمية دون أن يكشف أن العمل بالكامل من إنتاج الذكاء الاصطناعي. والنتيجة؟ الجمهور صُدم، والنقاد انقسموا، لكن السوق لم يتوقف.

هكذا تُصنع المعايير الجديدة، لا بالإقناع، بل بمنطق الصدمة والتكرار.

و اليوم، في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بات الرسامون يُطاردون الظلال التي تولّدها آلات لا تنام، أما الكتّاب فيجدون أنفسهم في منافسة غير عادلة مع نماذج لغوية لا تعرف التعب. و هكذا اكتشف أحد كتّاب السيناريو الشباب، مؤخرا، أن منصة رقمية عدّلت نصه تلقائيًا بواسطة الذكاء الاصطناعي، دون إذنه، ليكون أكثر ملاءمة لأنماط المشاهدة الشائعة.

من يملك النص إذن؟
من يتحكم في الذوق؟

قبل عقود، حذر أمبرتو إيكو من نظام العلامات المنفلت من المرجعية. أما اليوم، فنحن في مرحلة أكثر فوضوية: حيث لا تحتاج العلامة إلى مرجعية أصلاً، بل إلى قاعدة بيانات.

ان هذه القواعد، باتت تشبه المرايا القاتمة : لا تعكس شيئًا إلا بعضها البعض.

والنتيجة؟

عالم من المرايا المتقابلة، بلا صانع أول، بلا إنسان.

لكن الأخطر ليس ما يُنتج، بل ما يُهمّش. فالذكاء الاصطناعي لا يشجع على المغامرة، بل على التكرار الناجح. و بناءا على هذا فان الفنّ الذي يُدهش ويُقلق ويُخلخل، يُستبعد من الحسابات. اما الذوق العام فيُعاد تشكيله على صورة الخوارزميات، ناهيك عن السطو التقني على الأعمال الأصلية، بما يمثل اغتيالا مباشرا لمخيلة المبدع.

هذا هو العبث بعينه.

ماذا لو أعطينا الكلمة لسلافوي جيجيك حول هذا الموضوع:

“حين نفقد القدرة على تحمّل العبث، تضيع منا إنسانيتنا. الذكاء الاصطناعي لا يعبث، لا يتهكم، لا يشك. إنه منتصر دائمًا في لعبة لم يُجبر على الخوض فيها. انه لاعب بلا تاريخ، بلا ماضٍ، بلا جرح. أما الفن، فهو بالضرورة جريح، مترنّح، و مثقل بالعواطف.”

ولو طلبنا رأي غاستون باشلار، لقال دون تردد:

“الخيال لا يُستدعى، بل ينفجر في لحظات الالهام و الاشراق. لكن هذا الوحش الاصطناعي لا يعرف الانفجار، بل النمذجة. ما نراه هو خيال مزيف، محكوم بالاحتمال، لا بالمفاجأة. والخيال الذي لا يُفاجئ ليس كذلك، بل ما هو الا محاكاة باهتة.”

إن الحديث عن موت الفنان في عصر الذكاء الاصطناعي لا ينتهي، بل يفتح الباب على أسئلة حارقة:

  • هل يمكن بناء شرعية فنية على بيانات مسروقة؟
  • أليس ما نراه استعمارًا جديدًا للموهبة والتجربة والذوق؟
  • ماذا يسلبنا الذكاء الاصطناعي؟ أليس هو اللاتوقع، والقلق، والشك، والتعثّر… أي كل ما يجعل الفن فنًا؟
  • في زمن تصبح فيه الآلة مرآتنا الاولى، ما الذي يتبقى من وجهنا الحقيقي؟
  • حين تصير المشاعر قابلة للتوليد الحسابي، هل نفقد القدرة على الشعور؟
  • و ختاما، إذا أصبح الإبداع الفني منتَجًا تقنيًا خالصًا، فما مصير الانتظار الطويل، والصمت المؤلم، والضياع الجميل الذي يسبق لحظات الإلهام؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button