قصص و شخصيات

الـ29 من رمضان: عندما اختلف الفقهاء المغاربة حول جواز استعمال التلغراف في إثبات رؤية الهلال

في أواخر النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تعرف المغاربة على آلة التلغراف كتقنية مستحدثة، فأثارت حينها جدلا كبيرا داخل أروقة السلطة وفي أوساط الفقهاء، وبينما تقبلها السلطان الحسن الأول وجربها وأدخلها إلى قصره بل استعملها بنفسه في إرسال الرسائل خارج القصر بدل الخدم المكلفين بذلك، مثلما أظهر اهتماما بكل “المخترعات الوقتية” كآلات توليد الضوء الكهربائي التي جربها في قصره بمراكش والسكة الحديدية والتلفون وآلة تصوير وآلة الكلام (الفونغراف)، كان موقف الفقهاء وبعض رجالات الدولة مغايرا، إذ تساءلوا عن شرعية استخدام هذه الآلة ومدى موثوقية أخبارها في المسائل الدينية الهامة مثل رؤية هلال رمضان أو ثبوت رؤية هلال العيد.

وظل اختلاف الفقهاء قائما حول مدى جواز استخدام بالتلغراف من أجل العلم بالأمور الدينية، وهل يجوز الاعتماد عليه أم لا، حتى عهد السلطان المولى يوسف حيث كتب الفقيه محمد بن عبد السلام الطاهري الشبيهي رسالة بعنوان “كمال الاعتراف بالعمل بالتلغراف” يتطرق فيها “للسؤال” عن خبر التلغراف هل يعمل في الأمور الدينية أم لا، وبعد تعريف للتلغراف ومعنى الخبر ومناقشة فقهية لهذه القضايا يناقش مسألة ورود خبر بالتلغراف من الرباط إلى مكناس ليلة 29 رمضان 1332 هـ الموافق 21 غشت 1914 م، مؤداه ثبوت رؤية هلال شوال في تلك الليلة، وقد أفتى الفقيه الطاهري الشبيهي في هذه النازلة بكون ما نقله التلغراف خبرا “لاشبهة فيه، لأن الآلة التلغرافية لا يمكن فيها عادة تحريف ما تحمله من الأخبار ولا تبديله أو تغييره كما يعرف ذلك من يباشره”، وإن “إخبار الصدر (الوزير) بذلك من قبيل خبر الواحد، وتقدم أنه معمول به في مثل ذلك فقها وأصولا”، مدعما رأيه كذلك بموقف شيخ من أعيان المالكية في مصر هو الشيخ عليش المالكي المغربي الأصل، كان قد أفتى فتوى مشهورة بجواز العمل بالتلغراف.

بل إن بعض الدارسين اعتبر رسالة الفقيه محمد بن عبد السلام الطاهري الشبيهي “كمال الاعتراف بالعمل بالتلغراف” نصا مؤيدا لتوحيد البلاد الإسلامية بالهاتف والتلغراف، حيث أفتى فيها بوجوب الكفارة على من أفطر من أهل البلاد الإسلامية إن بلغه بهما صوم بلد من البلدان، وتضمن نص الفتوى والجواب عليها: “ما قولكم في من انتظروا هلال رمضان فلم يروه وأصبحوا مفطرين، وقد بلغهم بالسلك (التلغراف) ثبوت رمضان في مصر معتقدين أنه لا يلزمهم الصوم به، وأن الحكم به مبني على قول المنجمين (الرصد الفلكي)، فهل يجب عليهم الكفارة أم لا؟ أفيدونا الجواب”، فأجاب بما نصه: “الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله. يجب عليهم الكفارة لعدم تأويلهم، لاستنادهم فيه إلى جهالهم وسوء ظنهم. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب”.

كما ناقش نفس المسألة فقيه معروف بتفتحه الفكري هو محمد الحجوي الذي كتب بدوره سنة 1914 رسالة بعنوان “إرشاد الخلق إلى الاعتماد في ثبوت الهلال على خبر البرق”، ففيما يخص التبليغ بالهاتف اشترط الحجوي اعتماد الخبر بوضوح وتميز صوت المتحدث بالنسبة للمتلقى شريطة أن يكون المرسل عدلا ثقة أو أكثر وذلك قياسا على جواز شهادة المرأة ذات الحجاب، وشريطة أن يكون ذلك بين بلدين متقاربين، أما بالنسبة للتلغراف الذي هو في نظره “إشارات ورموز اصطلاحية مأمونة من الغلط” فهو يميز فيه بين التلغراف الرسمي والتلغراف غير الرسمي، فالأول أكثر ثقة من الثاني لأن هذا الأخير يمكن أن يستخدم للدعابة والمرح بين المتراسلين، وهو ما يجعل الخبر الصادر عنه غير ذي سند قوي، أما التلغراف الرسمي، وهو الذي يستخدمه موظف موثوق بإثبات وتسجيل المعلومات والمراجع، فهو في نظره “مأمون من التزوير، ويعتمد عليه في الأمور الرسمية، المالية والسياسية والحربية”، لذلك يمكن الاعتماد عليه وثبوت العيد به قياسا على “شهادة الأخرس” التي هي شهادة مقبولة في المذهب المالكي إذ “يؤديها صاحبها بإشارة مفهمة أو كتابة»  والخبر المحمول بالتلغراف لا يقل في نظره صدقا عن “إضرام النار في قرية إعلاما لغيرها بالهلال» وذلك بناء على الثقة المتبادلة بين أهالي القريتين في ألا يوقدوا النار إلا بعد ثبوت رؤية الهلال، بل إن “التلفون الذي يتميز فيه الصوت والتلغراف الرسمي محصلان لغلبة الظن الذي هو أصل في المذهب المالكي لثبوت الأحكام فيثبت بهما هلال رمضان وهلال العيد، أكثر من ثبوته بعلامات البارود والنار، حيث لا ضابط فيهما ولا وازع”.

وإذا كان الحجوي يضع شروطا تبليغية الجواز اعتماد خبر محمول بالتلغراف حول أمور الدين، في حين يجيز الطاهري اعتماده بدون شروط، فإنهما معا يقبلان مبدئيا بهذه الآلة ولا يتشككان في دنسها بناء على أصلها، بل يثمنان نجاعتها وفائدتها، وإن كان أحدهما يشرط استعمالها في مسألة الصيام أو الإفطار، ووافقه على رأيه الشيخ الفقيه العابد بن سودة بتأليفه كتابا تحت عنوان: “التعاضد والائتلاف بقبول خبر التلغراف”.

وفي سنة 1915 عين المولى يوسف لجنة من العلماء، يرأسها الشيخ الفقيه شعيب الدكالي للحسم في هذه المسألة، وأفرزت هذه اللجنة جملة من الاجتهادات، وكان من الذين ساهموا بآرائهم في هذه القضية الأديب محمد بوجندار، فقد دون كتابا أسماه “إتحاف الاشراف بحكم العمل بخبر التلغراف”، غير أنه توقف عن إكماله، ووضع مختصرا له بعنوان” الإنصاف في مسألة العمل بخبر التلغراف”.

وكان أول مغربي شاهد آلة التلغراف وأبدى اندهاشه تجاهها هو السفير إدريس العمراوي الذي أرسل في بعثة سفارية إلى باريس سنة 1860 في عهد نابليون الثالث، ودون مشاهداته في مكتوبه “تحفة الملك العزيز بمملكة باريز”، مظهرا انبهاره بالمخترعات التقنية الأوربية كالقطار (بابور البر) والباخرة (بابور البحر) والتلغراف (أخبار السلك) والمطبعة، واصفا في نفس الوقت مشاهداته في فرنسا كالحدائق (جنان النباتات والوحوش) ودار السلاح ودار ضرب العملة ودار الكتب والقصور والصحافة وغيرها، مبديا إعجابه بروح العمل لدى الفرنسيين وترويضهم لكل مظاهر الطبيعة، وبعد وصف مبسط لكيفية عمل التلغراف يذكر أن “رئيس ذلك المحل أخبرنا أنهم في أربع دقائق يكتسبون أخبار كثير من الأقاليم من بر العجم واسطنبول والهند والشينة ومصر وتونس والجزائر والماركان والنجليز وغير ذلك حتى كأنهم حاضرون فيها”.

ويعبر العمراوي عن انذهاله تجاه قدرات هذه الآلة قائلا: “وهذه الآلة مما يذهل ذهن العاقل، ويستريب فيه السامع والناقل، وكلما أمعنت النظر فيها، لم أجد عبارة تشتمل على حقيقتها وتستوفيها، على أن كثيرا ممن ينظر إليها لا يعرف كيفية الدلالة عليها، بل ولا يحسبها إلا من طريق السحريات، ويكذب كلام ناعتها ويعده من الاستهزاء والسخريات. وقد كان معنا بعض المغفلين فلما رآه استعظم باطن أمره ومرآه سألناه عما فهم منه واستخبرناه بأي عبارة يعبر عنه، فقال لنا أنه مثل خبر الأعراب الذين يخطون في الرمل ويضربون الفأل في قريعة الأنبياء، ويعبرون عما في قلبك من الأنباء، كلا بل هو من الأمور المذهلة والأشياء المشكلة والأدواء المعضلة، قد قربوا بها البعيد، وهونوا الخطب الشديد”.

المصادر:

د. أحمد كافي: مشاريع الإصلاح السياسي في المغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين، دار الكلمة للنشر والتوزيع، طبعة 2013، ص 248-253.

د. محمد سبيلا : النخبة المغربية ومتخيل التقنية بين منتصف القرن 19 والربع الأول من القرن 20 ضمن: مجلة بصمات العدد 4 ، منشورات كلية الآداب ابن مسيك.

محمد احميدة، ملامح من حياة الثقافة في العهد اليوسفي، مجلة دعوة الحق عدد 268.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button