أخبارالذكاء الاصطناعي AIالرئيسية

مِنَ الهالَةِ إِلَى السطْح : قِرَاءَاتٌ فَلْسَفِيةٌ فِي الفَنِّ فِي زَمَنِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيّ

الخَوَارِزْمِيَّاتُ لَا تُنْتِجُ الذَّوَات، بَلْ تُهَنْدِسُ إِمْكَانِيَّاتِ الظُّهُور — جوديث بوتلر

يتقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة غير مسبوقة، ويعيد تشكيل كل شيء من حولنا: منظومات الإعلام، والتدريس، والصناعة، والتجارة، والخدمات… والقائمة طويلة.

بقلم: د. مهدي عامري
خبير في الذكاء الاصطناعي والرقمنة، كاتب، أستاذ باحث بالمعهد العالي للإعلام والاتصال

ويقف الفن في مفترق الطرق الوجودي: هل ما زال يحمل تلك القوة الرمزية؟ هل ما زال قادرًا على إثارة الدهشة، وخلخلة المعنى، ومقاومة الابتذال؟

لقد انتقل الفن، في ظل الذكاء الاصطناعي، من كونه تجربة متعالية مرتبطة بالحضور والخصوصية، إلى منتج رقمي قابل للتكرار، والتسليع، والتعديل اللامتناهي. الصورة تُنتَج في ثوانٍ، والموسيقى تُركَّب بالخوارزميات، والرواية تُكتب عبر نماذج لغوية تُقلِّد أساليب الكبار. لكن، ماذا يبقى من الفن حين تُسحب منه الخامات الأساسية المطلوبة في كل عمل إبداعي؟ وهي بلا شك: الخطأ، والشك، والحدس، والخروج عن المألوف؟

من والتر بنيامين إلى رولان بارت، ومن دريدا إلى هايدغر، عبّر المفكرون على مر العقود الأخيرة عن قلق عميق تجاه علاقة الفن بالتقنية. واليوم، يُفرض هذا السؤال من جديد، وبحدة غير مسبوقة، في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي على عمليات الإبداع.

في مواجهة هذا الاجتياح التقني للفن، أليس من المهم والجوهري استدعاء الأسلحة النقدية الأقوى في ترسانة الفكر الإنساني؟

بلى، فالفن لم يكن يومًا مجرد منتج للزينة أو الترف، بل كان وما يزال فعلاً وجوديًا، وشكلًا من أشكال المقاومة ضد التماثل والتنميط وكافة صنوف السرديات الشمولية.

في هذا السياق، يذكّرنا جاك دريدا، المفكر الذي شغل العالم بتفكيكاته الدقيقة، بأن كل معنى هو في جوهره مؤجّل، وكل كتابة تنبثق من غياب الحضور. وفي عالم الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الغياب مطلقًا: لا مؤلف، لا تجربة، لا نية. فالخوارزمية لا تعرف الهامش، ولا الصمت، إنها تجهل الصدفة؛ وتشتغل في نظام مغلق على ذاته.

من جهته، يُطلق مارتن هايدغر صرخة وجودية في وجه هذا الانزلاق نحو التقنية، محذّرًا من نسيان الكينونة، ومن اختزال الإنسان في كائن تقني، مُعدّ للوظيفة، وخاضع للإجراء. وهنا يبدو أن الذكاء الاصطناعي هو التجسيد الأقصى لهذا النسيان. فحين يتحول الفن إلى ما يُنتج عبر التدفّق الحسابي، فإننا لا نعيش فحسب احتضار الفن، بل نحن على مشارف نهاية الإنسان بوصفه كائنًا كاشفًا للوجود.

في هذا الصدد، يمكن الاستشهاد أيضًا برولان بارت الذي أعلن عن “موت المؤلف”، والذي لم يكن يحتفل بميلاد الآلة، بل كان يحتفي بولادة قارئ حرّ، مبدع، يشارك في إنتاج المعنى.

واليوم، ما الذي يحدث؟

شيء مختلف تمامًا…

نحن أمام متلقٍّ مأسور بخوارزميات الذكاء الاصطناعي… إنها تقرأ مكانه، وتقرّر له، وتُملي عليه ما يحب.

وهكذا، ننتقل من “الهالة” إلى “السطح”، ونستدعي عصارة الأفكار الفلسفية لوالتر بنيامين حول مصير العمل الفني في زمن النسخ الآلي اللامحدود. ومن هذا المنظور، تبدو رؤيته الثاقبة حول ضياع “الهالة” أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بإعادة إنتاج الأعمال الفنية، بل يُعيد تشكيل الذوق العام نفسه، صانعًا ذائقة آلية قابلة للتسليع والبرمجة. وهكذا، يفقد الفن رهبة التجربة، وتتحول اللوحة — على سبيل المثال — إلى خلفية رقمية، والموسيقى إلى صوت افتراضي بلا ذاكرة.

في ظل هذه الأزمة، أليس من الواجب استدعاء الفن نفسه كأداة للمقاومة؟

في فيلمه الخالد “الأزمنة الحديثة” (Modern Times)، تبتلع آلة الإنتاج شارلي شابلن وتحول جسده إلى ترس يدور ضمن منظومة لا ترحم. هذا المشهد ليس مجرد كوميديا صامتة، بل مرثية للكرامة الإنسانية، وصورة نبوئية لما نعيشه اليوم من تذويب للفرد داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي الشاملة.

أما في فيلم “ماتريكس” (The Matrix)، فنحن أمام مواجهة ميتافيزيقية بين الإنسان والعالم الاصطناعي. ففي مختلف محطات هذا الشريط السينمائي الملهم، لا يقاتل البطل “نيو” فقط لإنقاذ البشرية، بل ليوقظ الوعي، وليؤكد أن الواقع ليس ما يُملى علينا عبر الآلة، بل ما نختبره بالشك، والمعاناة، والاختيار. إنه نداء إلى التحرر من “المصفوفة” — تلك التي باتت اليوم متمثلة في عالم الخوارزميات المتسلّلة إلى إبداعنا وذوقنا وإحساسنا بالزمن.

وإضافة إلى المثالين سالفي الذكر، ربما نجد في أدب جورج أورويل مثالًا آخر على هيمنة التقنية على المخيلة البشرية. فروايته “1984” لا تتحدث فقط عن نظام شمولي، بل عن الاستلاب الكامل للذات الإنسانية، حيث يُراقب الإنسان حتى في نومه، ويُعاد تشكيل وعيه عبر لغة مصممة للتحكم.

صراحة… أليس هذا ما تفعله اليوم النماذج اللغوية الكبرى التي تولّد النصوص الفنية “الأصلية” وفق خوارزميات تتعقب رغباتنا وتعيد برمجتها، منتجة في نهاية المطاف أعمالًا باهتة وزائفة؟

يبدو لنا أن الخطر الأكبر لا يكمن في إنتاج الفن الزائف بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي، إن الشر المطلق هو شيء آخر؛ وهو تدمير الشروط الروحية والرمزية التي تجعل الفن ممكنًا أصلاً. وبما أن الذكاء الاصطناعي لا يعرف الانتظار، ويجهل الصمت الذي يسبق الإشراق الشعري، فإنه لا يتوقف عن توليد المحتوى. إنه يعمل بكفاءة مخيفة، لكنه لا يقلق، ولا يرتعش، ولا ينتشي بالجمال الذي أبدعه.

وبالتالي، حان الوقت لمقاومة هذا المدّ الآلي. إنها ضرورة وجودية لا تعني بأي حال من الأحوال رفض التكنولوجيا، بل إعادة توجيهها. أن نبني فنًّا جديدًا لا يُستنسخ بسهولة، ولا يُستوعب سريعًا، بل يُربك، ويُزعج، ويزلزل المسلّمات… هذا هو المطلوب. إنه فنٌّ يعيد الاعتبار للخطأ، وللشرخ، وللصدفة، بل للذات الإنسانية ككُلٍّ غير قابل للتجزئة.

علينا إذًا أن نطالب بفنٍّ يحمل أثر اليد، لا أثر المعالج. أن نستعيد صوت الممثل المرتبك، أنفاس الرسّام وهو يخطئ، خربشات الشاعر وهو يشطب. أن نكتب بما لا تعرفه القواعد، ونرسم بما لا تحتمله البيانات. ففي زمن تُقدَّس فيه الآلة، ربما يكون فعل التأمل هو المقاومة الحقيقية، وربما تكون المسودات اليدوية أكثر حكمة من جميع الخوارزميات

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button